محمد هادي معرفة

24

التمهيد في علوم القرآن

نماذج من فوارق اللغة وإذ قد عرفت أنّ من عمدة السبب في الإعجاز البياني للقرآن هو جانب رعايته للمزايا اللغوية ، وإحاطته بفوارق الأوضاع إحاطة فاقت طوق البشر وخرجت عن طوع إرادته القصيرة . فكان جديرا أن نلمّ إلمامة عابرة بنماذج من تلك الفوارق اللغوية كشواهد مثال على أنّ مردّ المترادفات إلى المتفارقات في نهاية المطاف ، وأنّ كل وضع إنما يختصّ بميزة يفتقدها وضع مشابه يحسبه النظر البادي مثيله في المفاد ! أمّا النظرة الدقيقة فتقضي بخلافه وأن لا ترادف في أوضاع اللغة حسبما حقّقه أهل التحقيق . وهذا موضع دقيق وفي نفس الوقت خطير ، إنما كان يدركه الجهابذة من أهل الفصاحة وعلماء البيان . وقد لمسته أقحاح العرب - منذ أول يومهم - في تعابير القرآن فأعجبتهم إحاطته والوفرة من مزاياه ، بما فاق مقدورهم وهم صناديد اللغة وأفذاذ الخطابة والبيان . ومن ثمّ كان اعترافهم بالعجز ، وأنه ليس من كلام البشر وأنه يعلو وما يعلى . قال أبو منصور الثعالبي النيسابوري ( المتوفى سنة 430 ) : لو لم يكن في الإحاطة بخصائص اللغة العربية والوقوف على مجاريها وتصاريفها والتبحّر في جلائلها ودقائقها إلّا قوّة اليقين في معرفة إعجاز القرآن وزيادة البصيرة في إثبات النبوّة التي هي عمدة الإيمان لكفى بذلك فضلا يحسن أثره ويطيب في